الشيخ محمد هادي معرفة
194
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ذلك في خطر يتهدّدهم من داخل المدينة من قبل اليهود ولاسيّما بنيقريظة الذين غدروابالعهد ليطعنوا بالمسلمين من خلف . ولم يكتف المنافقون بمهمّة التثبيط حتّى قال قائلهم - هو معتببن قشير - : كان محمّد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا يخشى أن يذهب إلى الغائط . لم يكتفوا بهذا أيضا بل قاموا بدور الانسحاب مرّةً أخرى ، راجعين إلى بيوتهم ، متذرّعين بعذر لئيم ، قالوا : إنّ بيوتنا عورة ( مكشوفة ) معرّضةً للخطر فلابدّ لهم أن يتولّوا حراستها والدفاع عنها بأنفسهم ، علما بأنّ الخطر لم يكن كامنا على بيوتهم ، بل على الجبهة التي وقف المسلمون أمامها ، ولكن خسّة الطبع زيّنت لهم هذا الغدر وسوّغته ، فتركوا الميدان . « 1 » وفي ذلك يقول تعالى : « هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . « 2 » * * * وفي غزوة تبوك يتكرّر موقف التخاذل والنذالة والانسحاب ، بعد أن حاولوا تثبيط المسلمين عن الخروج للجهاد . وجهّز رأسهم جيشا من المنافقين ينافس به جيش المسلمين ، حتّى كان يقال : ليس عسكر ابن ابيّ بأقلّ العسكرين . ثمّ أعلن حرب الأعصاب حين قرّر التخلّف والانسحاب ، وهو يقول : يغزو محمّد بنيالأصفر - مع جهد الحال والحرّ والبلد بعيد - إلى مالا قبل لديه ، يحسب محمّد أنّ قتال بني الأصفر اللعب ، واللّه لكأنّي أنظر إلى أصحابه غدا مقرّنين في الحبال . « 3 » هذا ديدنهم في الشدائد وعند الاستعداد للمعارك ، وهو أن يفرّوا من الميدان ،
--> ( 1 ) - سيرة ابن هشام ، ج 3 ، ص 233 ؛ ومجمع البيان ، ج 8 ، ص 347 . ( 2 ) - الأحزاب 11 : 33 - 13 . ( 3 ) - سيرة ابن هشام ، ج 4 ، ص 168 .